محمد حسين الذهبي

434

التفسير والمفسرون

بما يبهر الألباب القوارح ، من غرائب نكت يلطف مسلكها ، ومستودعات أسرار يدق سبكها ، علم التفسير ، الذي لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه كل ذي علم - كما ذكر الجاحظ في كتاب نظم القرآن - فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام ، والمتكلم وإن بزّ أهل الدنيا في صناعة الكلام ، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القريّة « 1 » أحفظ ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ ، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه ، واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه ، لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق ، ولا يغوص على شئ من تلك الحقائق ، إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن ، وهما : علم المعاني ، وعلم البيان ، وتمثل في ارتيادهما آونة ، وتعب في التنقير عنهما أزمنة ، وبعثته على تتبع مظانهما همة في معرفة لطائف حجة اللّه ، وحرص على استيضاح معجزة رسول اللّه بعد أن يكون آخذا من سائر العلوم بحظ ، جامعا بين أمرين : تحقيق وحفظ ، كثير المطالعات ، طويل المراجعات ، قد رجع زمانا ورجع إليه ، وردّ ورد عليه ، فارسا في علم الإعراب ، مقدما في حملة الكتاب ، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها مشتعل القريحة وقادها ، يقظان النفس ، درا كاللمحة وإن لطف شأنها ، منتبها على الرمزة وإن خفى مكانها ، لاكزا جاسيا ، ولا غليظا جافيا ، متصرفا ذا دراية بأساليب النظم والنثر ، مرتاضا غير ريض بتلقيح بنات الفكر ، قد علم كيف يرتب الكلام ويؤلف ، وكيف ينظم ويرصف ، طالما دفع إلى مضايقه . ووقع في مداحضه ومزالقه » ا ه « 2 » وفي الحقيقة أن الزمخشري قد جمع كل هذه الوسائل التي لا بد منها للمفسر ، فأخرج للناس هذا الكتاب العظيم في تفسير القرآن ( الكشاف عن حقائقه ،

--> ( 1 ) القرية : بكسر القاف وتشديد الراء المكسورة ، أحد فصحاء العرب ، واسمه أيوب ؛ والقرية اسم أمه . ( 2 ) الكشاف ج 1 ص 12 - 15 .